محمد أبو زهرة
4492
زهرة التفاسير
وكان بعض أباطرة روما يبالغون في الاضطهاد حتى أن نيرون إمبراطور روما كان يجعل جلودهم تطلى بالقار ويجعل منهم مشاعل إنسانية تسير في موكبه ، ازدراء لهم ، ومبالغة في إهانتهم ، فكان يفر منهم من يفر إلى الكهوف والمغارات فرارا بدينهم وبنفسهم . وقد جاءت عبارات ابن كثير بما يفيد أنهم من اليهود لا من النصارى ، وحجته في ذلك أن اليهود هم الذين سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الروح وعن أهل الكهف ، وعن ذي القرنين ، وأن ذلك يدل على أن وقائع قصة أهل الكهف كانت قبل النصرانية لا بعدها . ونقول في الجواب عن ذلك : أولا - إن التوراة ليس فيها ذكر لأهل الكهف ، ولا من كان محيطا بهم . وثانيا - أن أخبار أهل الكهف مذكورة في شهداء النصارى وفي كتبهم ككتاب « الكنز الثمين » . وثالثا - أن ابن كثير نفسه ذكر أنه في عهد ملوك الرومان وهو دقلديانوس ، فقد جاء فيه ما نصه : « لقد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم ، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم ، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد ، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ، ويذبحون لها ، وكان لهم ملك جبار عنيد ، اسمه دقلديانوس وكان يأمر الناس بذلك ، ويحثهم عليه ، ويدعوهم إليه ، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك ، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم ، وعرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا للّه الذي خلق السماوات والأرض ، فجعل كل واحد يتخلص من قومه ، وينحاز منهم ، ويتبرز عنهم ناحية ، فكان أول من جلس منهم أحدهم ، جلس تحت ظل شجرة ، فجاء الآخر فجلس إليها عنده ، وجاء الآخر فجلس ، وجاء الآخر ، والآخر ، ولا يعرف واحد منهم الآخر ، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان . . . . » .